عبد الكريم الخطيب
416
التفسير القرآنى للقرآن
لقى هو وأهله الأدنون ما لقوا من هذا البلاء الشديد ، أثناء الحصار الذي ضربته عليهم قريش نحو ثلاث سنين . . ومما ضاعف من وقع الآلام في نفس الرسول ، أن سقط في ذلك الحين الجناحان اللذان كانا يرفّان عليه رحمة وحنانا . . ذلك أنه ما كادت تنتهى محنة الحصار ، ويفسد تدبير قريش ، وتنقض صحيفتها التي أبرم فيها هذا العقد الذي عقدته بينها لمقاطعة بني هاشم ، بعد أن سلّط اللّه عليها الأرضة فأكلتها جميعا ، إلا ما ورد فيها من ذكر اسم اللّه عزّ وجل - ما كادت تنتهى هذه المحنة . حتى مات عمه أبو طالب ، بعد خروجه بقومه من الشّعب بستة أشهر . . ثم لحقت به الزوجة البرّة الرحيمة السيدة خديجة ، بعد موته بثلاثة أيام ! ! فانظر كيف ابتلى النبي الكريم هذا الابتلاء في عمه وفي زوجه ، وكيف تفرغ يده من كلّ قوة مادية على هذه الأرض كانت تقف إلى جانبه ، وتشد أزره ؟ ومتى كان ذلك ؟ إنه كان في أحرج مواقف الدعوة ، وحين بلغ الأمر من الشدة والشقاق مداه ، بين قريش ، وبين النبي . إن ذلك كله من ألوان الشدائد والمحن التي مرت بالرسول خلال تلك السنوات العشر التي قضاها النبي الكريم بين قومه ، يغاديهم ، ويراوحهم بآيات اللّه وكلماته ، فلا يسمع منهم إلا ما يسوء ، ولا يلقى منهم إلا ما يكره - نقول إن ذلك كله كان تربية وإعدادا للجولة التالية من الدعوة ، واستعدادا لاستقبال الطور الجديد من أطوارها - حيث ستشهد الأيام التالية أحداثا جساما ، وتطورات خطيرة في حياة هذا الدين الجديد . فسيلتقى النبي بوجوه كثيرة من قبائل مختلفة ، وسيسمع أحاديث متباينة ، وسيتلقّى أجوبة مختلفة لما يلقى على الأسماع من آيات اللّه ، وسيهجر النبي موطنه ، ويهاجر إلى موطن